خرج الاتحاد السوفيتى من الحرب العالمية الثانية مثخنًا بالجراح، إذ مات عشرات الملايين من أبنائه فى الحرب الوجودية مع ألمانيا النازية، ولكنه خرج منتصرًا، مستوليًا على بلاد بالكامل، مثل جمهوريات البلطيق، ومخضعا لنصف أوروبا الشرقى مجبرا إياه على تبنى نموذجه الاقتصادى السياسى الاشتراكى، وكان أيامها «الأول مكرر» فى النظام الدولى.
فى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى عجز الاتحاد السوفيتى عن التعامل مع المستجدات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، ووجد نفسه فى مأزق يجبره على مراجعة استراتيجيته، ويبدو أن قيادته قررت أنها لم تعد قادرة على تحمل أعباء أوروبا الشرقية أو كلفة قمع شعوبها، وبدأ التفكير فى الانسحاب منها، وتركها تحدد مصيرها، مقابل التزام هذه الدول بالحياد التام.
ولكن أتت الرياح بما لا تشتهيه السفن، الرئيس بوش الأب رفض -وكان محقا فى هذا- إعطاء وعد بعدم ضم هذه الدول للناتو، على عكس آمال موسكو وبرلين، ألمانيا كانت تريد تحقيق وحدتها وكانت مستعدة لتقديم هذا التنازل، ولكن الولايات المتحدة رأت أن تدفع ألمانيا ثمن الوحدة بتقديم دعم مالى ضخم للغاية لعدو الأمس، وألا تفرض على الشعوب الأخرى التزامات باتباع خط سياسى لا يتفق وتطلعاتها.
أمر آخر.. القادة الروس لم يُدخلوا فى حساباتهم انتماء بولندا وشعوب جمهوريات البلطيق وغرب أوكرانيا إلى عائلة ثقافية واحدة، إن جاز التعبير، خروج بولندا من التبعية للاتحاد السوفيتى ألهم الأوكرانيين وشعوب البلطيق التى كانت تواجه عمليات "ترويس" وتشهد زرع أبناء العرقية الروسية فى عقر ديارهم، وانفصلت دول البلطيق عن الاتحاد وأعلنت استقلالها وسلكت كل الجمهوريات السوفيتية مسلكها وانهارت الإمبراطورية.
ومن المعروف أن الرئيس بوتين يرى فى هذا الانهيار المدوى أكبر وأهم كارثة جيوسياسية شهدها القرن العشرون، وشخصيا أرى فى حصول شعوب مقهورة قابعة تحت حذاء قوة استعمارية تفرض نظاما شموليا مرفوضا شعبيا ـ حادثا سعيدا وعظيما.
أغلبنا يرى فى روسيا دولة كبيرة شاسعة، لها موارد طبيعية هائلة، ولكن عدد سكانها غير كاف، يكفى أن نذكر أن عدد سكان باكستان يفوق عدد سكان روسيا بأكثر من مائة مليون، وأن الناتج القومى الإجمالى الروسى أقل من الناتج القومى الإيطالى.
الأرقام لا تقول كل الحقيقة، ولا تعكس وزن روسيا الاقتصادى، حيث تحتفظ بمكانة متقدمة فى بعض القطاعات الاستراتيجية، البترول والغاز، الطاقة النووية، السلع الغذائية، والأسلحة.
نراها دولة كبرى مساحتها شاسعة، ولكن نخبها تراها دولة انكمشت، قارن وضعها الجغرافى سنة 1914 أو سنة 1988 بوضعها الحالى، وترتب على هذا الانكماش المفاجئ وجود أعداد هائلة من الروس فى دول استقلت حديثا، جاءوا قبل الانهيار أو بعده، مجموعات منهم موجودة منذ قرون، ومجموعات أخرى جاءت فى الحقبة الشيوعية أو بعدها، بعضهم جاء مجبرا أو منفيا، غيرهم جاء بحثا عن القوت، أو هروبا من اضطهاد.
التعامل مع هذه الأعداد أوجد معضلات، على سبيل المثال، قامت كازاخستان بمنح كل المقيمين على أرضها جنسيتها، ربما مع بعض الاستثناءات، ولكنها اشترطت، وهذا طبيعى، أن يكون الموظف العام مجيدا للغة البلاد، ورأت روسيا فى هذا الشرط الطبيعى جدا تمييزا ضد الروس.
يختلف وضع هؤلاء الروس من دولة إلى أخرى، هناك من بذل جهودا لإدماجهم ونجح، ومن لم يوفق، ومن لم يحاول أصلا، ولكن وجودهم منح ذريعة للحالمين فى موسكو باسترداد الإمبراطورية، فقالوا، صادقين فى بعض الأحوال كاذبين فى غيرها، إن الروس مضطهدون، ولم يفهموا، أو رفضوا أن يفهموا أن خطابهم يدعم أقوال بعض كثير من أبناء الجمهوريات الجديدة الذين يرون فى الروس طابورا خامسا.
لا أقول إن أوضاع الروس هى السبب الرئيس للغزو الوحشى لأوكرانيا، الأهداف الحقيقية تتعلق بالتوازنات السكانية داخل روسيا، وبرغبة النخب فى استرداد "ممتلكات الماضي"، أى مستعمراتها، وهو فى تصورهم شرط للعودة إلى صفوف الدول الكبرى.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية